السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعاني منذ سنوات من العزلة والانقطاع عن الناس، حتى إن أحدًا لم يعد يعرفني بعد هذه العزلة الطويلة، كما انقطعت علاقتي بكل من كان يعرفني سابقًا، وأرجع أسباب هذا الانعزال إلى مروري بظروف نفسية تمثلت في الاكتئاب، والوسواس القهري، والرهاب الاجتماعي، إضافة إلى بعض المعتقدات الخاطئة.
الحي الذي أسكنه مكتظ بالناس، وفيه أقارب لا نكاد نعرف بعضنا، كما أن موطن جدي في القرية يضم شبكة عائلية واسعة من جهة الأب والأم، وقبل سنوات قليلة قررت كسر هذه العزلة والذهاب إلى القرية، وكانت البداية مصحوبة بضغوط نفسية شديدة وإحراج كبير؛ لأن كثيرًا من الناس لا يعرفونني، واستغربوا وجودي، وما زال بعضهم يذكر لي ذلك الموقف المحرج، ومع ذلك واصلتُ المحاولة، فكلما وجدتُ فرصةً لحضور زفاف، أو عزاء، أو مناسبة عيد، أو زيارة مريض، اغتنمتُها، وفي كل مرةٍ أتعرف إلى أشخاصٍ جدد، لكن تقدمي ما يزال بطيئًا؛ لأنني لا أزال بعيدًا عن الناس، وأشعر بالتقصير والذنب، وأقول في نفسي: لو أنني استثمرت تلك الفرص بصورة أفضل لعرفني الجميع.
لا أبادر عادةً بتعريف أقاربي بنفسي، وربما لأنهم يرونني شخصًا غريبًا، أو يظنون أنني مجرد صديق للعائلة، فهم يعرفون أبناء أبي بالأسماء، ولا يتوقعون أن أكون أحدهم، حتى إن كثيرين قالوا لي صراحة: "أنت لست ابن فلان، فأبناؤه نعرفهم جيدًا".
كنت في السابق أحرص على حضور المناسبات؛ لأنها تجمع الناس، ومن خلال الملاحظة أو سؤال بعض الأشخاص استطعتُ أن أعرف كثيرًا من الأقارب، كأبناء أخوال والدتي، أو أبناء أعمامها، أو من تربطهم صلة بوالدي، لكنهم لم يعرفوني، فوجدت أن أسلوب الملاحظة والسؤال لا يكفي لتعريفهم بي.
ولذلك قررتُ أن أبادر بتعريف نفسي لمن أجده منفردًا؛ تجنبًا للإحراج أمام الجماعة، لكن ذلك سبَّب لي نوعًا آخر من الإحراج، فمثلًا قابلتُ شخصًا والدتي ابنة خاله، فهو في منزلة خالي، فعرفته بنفسي، فاندهش وقال إنه لا يعرفني، ولم يرني من قبل، ثم سألني مستغربًا: "هل كنت مسافرًا؟"، فاضطررت إلى الكذب وقلت: "نعم"، تبريرًا لغيابي.
وتكرر الموقف مع زوج ابنة عمتي، ومع أحد أبناء عمتي، وهناك كثيرون غيرهم لم أتعرف إليهم، إمَّا تجنبًا للإحراج، أو لأنني لم أجد الطريقة المناسبة، وهذا يزيد قلقي؛ لأنني أشعر أن الإحراج يزداد كلما تقدمت في العمر.
لا أعرف كيف أتعامل مستقبلًا لتجاوز هذا الأمر، فهل الإحراج الذي أشعر به هو ضريبة حتمية لعزلتي الطويلة؟ كما أنني أرى أن من أسباب هذه المشكلة ضعف لغة جسدي، وضعف نبرة صوتي، ممَّا يجعل الآخرين يترددون في التفاعل معي، إضافة إلى أنني لا أبادر بالتعرف إلى الأشخاص الذين أرغب في بناء علاقة معهم في منطقتي، فتفوتني كثير من العلاقات الصحية بسبب ترددي، ولا أعرف كيف أبدأ.
فهل تجنب الإحراج يُعد نوعًا من التجنب الذي ينبغي كسره بالمواجهة؟ وكيف أتصرف مستقبلًا حتى أتجاوز ذلك، وأطور نبرة صوتي، ولغة جسدي، وقدرتي على المبادرة والتعارف؟
بحث عن استشارة
الأعلى تقيماً

